عبد القاهر الجرجاني

176

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وإذا كان ذلك كذلك ، علم علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني على المعاني ، وأنهم أرادوا أنّ من شرط البلاغة أن يكون المعنى الأوّل الذي تجعله دليلا على المعنى الثاني ووسيطا بينك وبينه ، متمكّنا في دلالته ، مستقلّا بوساطته ، يسفر بينك وبينه أحسن سفارة ، ويشير لك إليه أبين إشارة ، حتى يخيّل إليك أنك فهمته من حاقّ " 1 " اللفظ ، وذلك لقلة الكلفة فيه عليك ، وسرعة وصوله إليك ، فكان من " الكناية " مثل قوله : [ من المنسرح ] لا أمتع العوذ بالفصال ، ولا * أبتاع إلّا قريبة الأجل " 2 " ومن " الاستعارة " مثل قوله : [ من الطويل ] وصدر أراح الليل عازب همّه ، * تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب " 3 " ومن " التمثيل " مثل قوله : [ من المديد ] لا أذود الطّير عن شجر * قد بلوت المرّ من ثمره " 4 " إن أردت أن تعرف ما حاله بالضدّ من هذا ، فكان منقوص القوّة في تأدية ما أريد منه ، لأنه يعترضه ما يمنعه أن يقضي حق السّفارة فيما بينك وبين معناك ، ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك ، فانظر إلى قول العباس بن الأحنف : [ من الطويل ] سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا * وتسكب عيناي الدّموع لتجمدا " 5 "

--> ( 1 ) حاقّه : أي وسطه وحاق الجوع : صادقه . القاموس / حقق / ( 1129 ) . ( 2 ) العوذ : جمع عائذ وهي التي مر على ولادتها عشرة أيام أو خمسة عشر يوما ، والفصال : جمع فصيل ، وهو ولد الناقة ، والبيت لإبراهيم بن هرمة الشاعر المعروف ، ومعناه : أنه لا يمتع الأمهات من الإبل بأبنائها بل يذبحها ، ولا يشتري منها إلا قريبة الأجل . ( 3 ) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ( 29 ) ، من قصيدة : كليني لهم يا أميمة ، وقبله : كليني لهم ، يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب تطاول حتى قلت ليس بمنقض * وليس الذي يرعى النجوم بآيب ومعنى البيت : أن الليل الطويل جدد همومه وأعادها بعد أن كادت أن تزول . ( 4 ) البيت لأبي نواس في ديوانه ( 64 ) ، من قصيدة في مدح العباس بن عبيد اللّه بن أبي جعفر المنصور وقبله : أيها المنتاب من عفره * لست من ليلى ولا سمره والمعنى : أي لا أشفق على من ذممت صحبته ولا أمنع غيري من إنسان قد بلوته فلم أجد عنده خيرا ، كما أن ثمر الشجر إذا كان مرّا لم يطرد عنه الطير ولم يبل به . ( 5 ) البيت في ديوانه ( 106 ) طبعة دار الكتب العلمية ، والإيضاح ( 7 ) ، والإشارات والتنبيهات ( 12 ) .